ابن الجوزي

413

كتاب ذم الهوى

وأقبل عروة في عيره تلك ، حتى إذا كان بتبوك نظر إلى رفقة مقبلة من نحو المدينة فيها امرأة على جمل أحمر ، فقال لأصحابه : واللّه لكأنها شمائل عفراء . فقالوا : ويحك ما تترك ذكر عفراء لشيء ! . قال : وجاء القوم فلمّا دنوا منه وتبيّن الأمر يبس قائما لا يتحرك ولا يحير كلاما ولا يرجع جوابا ، حتى بعد القوم . فذلك حيث يقول : وإني لتعروني لذكراك رعدة * لها بين جلدي والعظام دبيب فما هو إلا أن أراها فجاءة * فأبهت حتى ما أكاد أجيب وقلت لعرّاف اليمامة داوني * فإنك إن أبرأتني لطبيب فما بي من حمّى ولا مسّ جنّة * ولكنّ عمّي الحميريّ كذوب قال أبو بكر : وعراف اليمامة هذا الذي ذكره عروة وغيره من الشعراء هو رياح بن راشد ويكنى أبا كحيلة ، عبد لبني يشكر تزوج مولاه امرأة من بني الأعرج ، فساقه في مهرها ، ثم ادّعى نسبا في بني الأعرج . ثم إن عروة انصرف إلى أهله وأخذه البكاء والهلاس « 1 » ، حتى نحل جسمه فلم يبق منه شيء . فقال بعض الناس : هو مسحور . وقال قوم : به جنّة . وقال آخرون : بل هو موسوس ، وإنّ بالحاضر من اليمامة لطبيبا له تابع من الجن ، وهو أطبّ الناس ، فلو أتيتموه ، فلعل اللّه يعافيه . فساروا إليه من أرض عذرة ، حتى داواه فجعل يسقيه وينشّر عنه ، وهو يزداد سقما . فقال له عروة : يا هناه ، هل عندك للحب دواء أو رقية ؟ فقال : لا واللّه . فانصرفوا . حتى مرّوا بطبيب بحجر فعالجه ، وصنع به مثل ذلك . فقال له عروة : ما دائي ودوائي إلا شخص بالبلقاء مقيم ، فهو دائي وعنده دوائي .

--> ( 1 ) الهلاس : الهزال .